جمعية المهندسين الصحراوية من أجل التنمية           
      
Asociaci
ón de Ingenieros Saharauis para
                        el Desarrollo
(AISD)     

ب

مقالات وبحوث

 

 

"هل حان  مخاض المجتمع المدني الصحراوي"

أصبح اليوم مفهوم المجتمع المدني من أكثر المصطلحات تداولا في كثير من الحقول المعرفية والمنتظمات الدولية واللقاءات و يصعب إيجاد تعريف موحد له لكنني إميل إلى التعريف التالي وهو إن عبارة "المجتمع المدني" بالنسبة للغة العربية إنما تكتسب معناها من مقابلها الذي هو "المجتمع البدوي"، وبما أن القبيلة هي المكون الأساسي في البادية العربية فـ "المجتمع المدني" سيصبح المقابل المختلف، إلى حد التضاد، لـ "المجتمع القبلي".
وهكذا يستبعد من المفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الإثنية أو المذهبية أو الدينية.

يعتبر المجتمع المدني من الركائز الأساسية لتحقيق التقدم والازدهار وتفعيل التنمية البشرية الحقيقية. ويسمى هذا المجتمع بهذا الاسم، لأنه يتخذ طابعا اجتماعيا مدنيا وسلميا مستقلا عن الدولة والحكومة وعن كل المؤسسات الرسمية ، على الرغم من كونه يتكامل مع المؤسسات الحاكمة تنسيقا واستشارة واقتراحا.

ويجسد المجتمع المدني مظهرا من مظاهر الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على الحرية والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية والإيمان بحقوق الإنسان.

ولا يمكن للمجتمع المدني أن يشتغل إلا في مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويعمل على تثبيتها وتكريسها في جميع المجالات والأصعدة والمستويات. أن المجتمع المدني "من حيث المبدأ، نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات. ثم، إن هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في جمعيات طوعية متعددة اجتماعية وثقافية و علمية وحقوقية واقتصادية....

من مقومات المجتمع المدني الاستقلالية عن كل الضغوطات الخارجية الرسمية أو شبه الرسمية والتخصص في الأعمال والمشاريع التي تنفع المجتمع، واحترام الشرعية القانونية والتنظيمية أي انه لايمكن لجمعية أو هيئة أو منظمة مدنية أن تشتغل إلا في ضوء القانون واحترام مبادئ الدستور وكل القوانين المنظمة لمؤسسات الدولة، لكي لاتستغل لتمرير الإيديولوجيات والنماذج الأجنبية  وارتكاب الأفعال المشينة التي تضر بالمصلحة العليا للدولة أو بمصلحة الشعب أو بمصالح الأعضاء الذين ينتمون إلى هذه الهيئات.

ولعل من أهم مقومات تلك المؤسسات الأهلية أنها تقوم على الفعل الإرادي الحر التطوعي وأنها لا تسعى للوصول إلى السلطة ولا أن تحل محل بعض مؤسسات الدولة أو تقوم بوظائفها، حيث يكون الالتزام بالواجب والاستجابة للضمير الوطني والإنساني والشعور بالأواصر القومية والإنسانية من المحفزات الأساسية للمشاركة فيها.

 ومن المقومات الأخرى لهذا المجتمع نستحضر تكامل المجتمع المدني مع الدولة عن طريق البحث والتحقيق وتقديم الاقتراحات والنقد البناء الهادف مع تقديم البديل والمشاركة الفعالة لتحقيق الأهداف الوطنية.

أما الشروط الأخلاقية التي ينبني عليها المجتمع المدني فتكمن في التسامح وتقبل الآخر والإيمان بالاختلاف والاعتراف بالرأي المخالف وحب الغير والتضحية بالذات في سبيل المصلحة العامة وإيثار منطق الحوار والتعايش والأخوة، ونبذ العنف والتهميش والإقصاء وسياسة التغريب والتطرف والإرهاب.

يستند المجتمع المدني إلى مجموعة من الخطوات والمراحل الإجرائية في تنفيذ مهامه التنموية والبشرية كالبحث عن الظاهرة المتفشية سلبا في الوسط البشري، ودراسة المشاكل والآفات والتحقيق فيها قصد فهمها وتفسيرها، وإعداد الدراسات النظرية والميدانية لفهم هذه المشاكل فهما عميقا، وتحديد المتطلبات وحصرها، وتوقع العراقيل قصد توفير الإمكانيات المادية والمالية والبشرية الملائمة، وتسطير الأهداف البعيدة والوسطي والقريبة للتحكم في المشاكل والأزمات المرصودة، واستخدام أسلوب المشاورة والاقتراح والتنسيق، وتوظيف وسائل الإعلام للتوعية والتنبيه والإرشاد.

ومن بين المهام التي يتكفل بها المجتمع المدني تحديث المجتمع وإشاعة العقلانية وتحقيق التنمية وتطوير المجال العلمي والمعرفي عن طريق تشجيع البحث النظري والتطبيقي ودعم التطور التكنولوجي وتنمية المجال الصحي والرفع من مستوى الدخل البشري.

يرتكز المجتمع المدني على المشاركة الشعبية والفعل التطوعي لكل مواطن غيور على بلده لخدمة بيئته الريفية والحضرية والجهوية والوطنية عن طريق تحقيق مشاريع إنسانية تساهم في الرفع من قدرات المواطنين وتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وتوعيتهم  لتحمل مسؤولياتهم التاريخية للمساهمة في تحقيق التقدم والازدهار.

ومن هنا، لن ينبغي أن تقتصر أنشطة المجتمع المدني على ما هو مادي وبيولوجي واقتصادي، بل ينبغي أن تتجاوز ذلك إلى تحقيق المنجزات الثقافية والفكرية عن طريق محاربة الأمية بكل أنواعها (الأمية الأبجدية، والأمية المعلوماتية والتقنية، والأمية اللغوية والأمية الإعلامية). وتزداد: "أهمية المجتمع المدني ونضج مؤسساته لما يقوم به من دور في تنظيم وتفعيل مشاركة المواطنين في تقرير مصائرهم، ومواجهة ما يؤثر في معيشتهم ويزيد من إفقارهم، ولما يقوم به من دور في نشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية، وثقافة بناء المؤسسات، وثقافة إعلاء شأن المواطن، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي، والمساهمة بفعالية في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات.".

إن ازدياد بروز مؤسسات المجتمع المدني في القرن العشرين ناتج عن طغيان المد الديمقراطي وانحباس الأنظمة الشمولية المتعارضة مع المجتمع المدني إلى جانب فقدان الثقة في المجتمع السياسي حتى داخل الأنظمة الديمقراطية ناهيك عن تحول مركز القرار السياسي الذي انتقل من يد الفاعل السياسي إلى الفاعل الاقتصادي بفعل طغيان الشركات العابرة للقارات والاستغلال الممنهج للشعوب الفقيرة وبصرف النظر عما يعتري بعض المنظمات غير الحكومية وبعض مؤسسات المجتمع المدني من قصور وانحراف عن الهدف فإن الدعوة إلى تقوية هذا المجتمع تلقى كثيرا من الترحيب عبر العالم ومن أهم الملاحظات التي تسجل على عمل منظمات المجتمع المدني في العديد من دول العالم والتي يجب تفاديها من اجل تحقيق مشروع المجتمع المدني الراقي:


1- غياب حقيقي لقيمة العمل التطوعي والمشاركة داخل المنظمات.
2- ضعف تداول السلطة والمسؤولية داخل المنظمات وحصرها بشخص واحد في اغلب الأحيان. رغم إشارة أنظمتها الداخلية إلى تداول الرئاسة عبر الانتخابات ودعوة هيئاتها العامة.
3- شيوع المحسوبية في عمل هذه المنظمات للحصول على الامتيازات الممنوحة لها، بعيدة عن إشراك الخبراء والمتخصصين،أو حتى المتطوعين والأعضاء فيها.
4- غياب طابع الشمولية في العمل المهني من حيث تفكك هذه المنظمات وانحرافها عن الأسس التي أنشئت من اجلها ، و الخضوع للتأثير السياسي.
5- غياب التخصص المهني في عمل ونشاطات المنظمات كالطفولة والمرأة والبيئة وحقوق الإنسان، فعناوين ومسميات هذه المنظمات فضفاضة بهدف التسويق والحصول على المنح. حيث أن اغلب هذه المنظمات تفتقر إلى دراسات عملية وتطبيقية للمجالات التي تشتغل على معالجتها ولم تكلف نفسها في وضع حلول عملية بل اكتفت بالجري وراء المشاريع بقصد الحصول على التمويل الذي يذهب معظمه إلى جيوب القائمين على هذه المنظمات.وتحولت هذه الهيئات إلى مهنة من لا مهنة له.
6- غياب التقارير والدراسات السنوية والفصلية والشهرية لما تحقق من برامج ومشاريع هذه المنظمات.

          7- اقتصار فعاليات هذه المنظمات على أشخاص معدودين ومحدودين .
8- غياب المستهدفين الحقيقيين الذين صرفت الأموال من اجلهم عن الفعاليات. حيث تكون هذه الفعاليات فعاليات شكلية فقط.
9- ازدهار ظاهرة السمسرة في تأمين منح وتمويل منظمات المجتمع المدني من قبل جمعيات وسيطة أو أشخاص، وهذا ما يدعو إلى التساؤلات عن مدى مصداقية الجهات الممولة في دعم المجتمع المدني في البلد.
10- قيام عدد كبير من رؤساء منظمات المجتمع المدني إلى تأسيس أكثر من منظمة من اجل الحصول على التمويل وحسب اشتراطات الجهات المانحة، فهم يقومون بتقديم عروض برامجهم وفق برامج الجهات المانحة مع تغيير اسم المنظمة لتتماشى مع ذلك.

إن شعبنا يعيش في مرحلة خاصة ومتميزة، و هي مرحلة التحرر الوطني التي تمر بها القضية الصحراوية منذ عام 1975 والقاضية بإزالة الاحتلال المغربي، حيث تتشكل عدد من المصالح العليا والحيوية التي تسمى بالمصالح الوطنية أو القومية للشعب الصحراوي وفق متطلبات هذه المرحلة والتي تحتل الأولوية إلى حين انجازها.

 لكن كلما من شانه نشر الوعي والثقافة وعقلية المجتمع والدولة، يظل مطلبا أساسيا لتطور أي مجتمع وخاصة المجتمع الصحراوي، الذي يمر الآن بمرحلة حساسة، تتطلب الكثير من الجهد الواضح والدءوب، مرحلة تقوية الذات وبناء عوامل الصمود، من خلال استهداف المواطن الصحراوي وسيلة وموضوعا، وجعله أداة وهدفا لأنه هو رأس مالنا ولأن التنمية في وقتنا الحاضر لم تعد تنمية اقتصادية  لإشباع الرغبات المادية فحسب، بل هي تنمية بشرية وإنسانية متكاملة ومتوازنة وشاملة تتبنى العلم وتتسلح بالعقل والإرادة والنقد، وتتحرر من الأوهام الزائفة الموروثة لبناء مجتمع  حر ومتطور، عملي، معقلن ومتسامح.

إذن فمن أجل الإسهام في “عصرنة” مفهوم الدولة والشعب ومشاركتهما في تفعيل "مشروع المجتمع المدني الصحراوي" والتحضير لبناء الدولة الصحراوية  المستقلة علي كامل ترابنا الوطني، هناك منهجية يمكن اعتمادها:

1- توثيق التجارب الوطنية والإقليمية والدولية في مجال المجتمع المدني لمواكبة التطورات العالمية في هذا الميدان.

 2- إعداد قانون ينظم عمل المجتمع المدني، ويحدد كيفيات و مقاييس إنشاء الجمعيات

3- تطوير عمل منظمات المجتمع المدني،  لتلعب دورها في إيصال صوت الشعب الصحراوي ومعاناته إلى كل منابر المجتمع المدني عبر العالم ورفع الالتباس بين الإرهاب وبين حقوق الشعوب وخاصة حقها في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير.

4- العمل من أجل إقامة منتدى للحوار منتظم يجمع هيئات المجتمع المدني الصحراوي كافة

5- تنظيم تربصات أو أيام دراسية دورية لأعضاء منظمات المجتمع المدني لتتمكن من بلوغ

الاحتراف و المهنية المرجوة

6- تطوير التنسيق والتعاون مع هيئات المجتمع المدني الجهوية والإقليمية والدولية

7- جعل هيئات المجتمع المدني مكملة لمؤسسات الدولة من حيث التنسيق والاستشارة والاقتراح خاصة في الميادين التي تدخل في دائرة اختصاصها.

 8 – التخلص من عقدة الخوف من اكتساح منظمات المجتمع المدني للقواعد الشعبية

والابتعاد عن  النظرة  الضيقة.

9- عدم الإقحام  المباشر لهيئات المجتمع المدني في الأنشطة السياسية

10- العمل علي أن تكون علاقة تنظيمات المجتمع المدني مع الآخرين قائمة على التعاون و الاحترام بعيدا عن الضغط والوصاية.

11- تطوير قدرات الإعلام الوطني وتحسين أدائه شكلا ومضمونا للتصدي للحرب الإعلامية المعادية و لإثراء جوانب المعرفة والوعي ونشر فكرة التطوع الحر والمجانية كقيمة إنسانية لدي المواطن الصحراوي.

12 – العمل مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لتخصيص فضاءات للتربية على  مُثل حب الوطن و الدفاع عنه مع التسامح وتقبل الآخر ونبذ كل مظاهر التعصب والعنف والإرهاب وأي تمييز قائم على أساس العنصر، الدين، اللون، الجنس..

13- إنشاء مركز بحث يعمل على رصد الظواهر المشينة التي قد تظهر في المجتمع كالمخدرات والتعصب والتطرف وتحديد أسبابها وطرق معالجتها.

قد يري البعض أن الحديث عن المجتمع المدني عندنا سابق لأوانه، كما يمكن أن يعتبر آخرون تلك  المقترحات مجرد أحلام  بل أوهام لأننا لسنا فوق أرضنا  ولازلنا نخوض حربا تحريرية تتطلب منا تجنيد  كل القوى والطاقات والإمكانات المادية، حيث الهم الأكبر هو السعي لتأمين وسائل العيش، وتحرير الوطن المغتصب،  فلا يبقى عند أكثرية المواطنين أي وقت أو أي رغبة في التطوع والمجانية.

بالرغم من أن وضعنا الحالي قد يكون بعيدا نوعا ما عن هذا المفهوم الشامل للمجتمع المدني، الذي سيتعمم لا شك في القرن الحادي والعشرين، لكني أرى أن “مشروع مجتمع مدني صحراوي” غير مستحيل، لاسيما إذا  توفرت الإرادة وتوحدت الجهود لتحقيقه.

 فهو ضروري للسير بالمجتمع نحو آفاق جديدة تساهم في ترسيخ عقلية الدولة و الرفع من قدرات المواطنين وتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية لمواكبة العصر، كما سيكون هذا المشروع  فضاء لتسليط الأضواء على انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الصحراويون في المدن المحتلة على أيدي الغزاة المغاربة وسيساهم بلا شك في تدعيم مشروع اعمارالمناطق المحررة من خلال  المشاركة الفعالة في المشاريع المختصة و إشاعة روح التطوع و محاربة الظواهر التي لا تخدم المصلحة العامة وسيكون بإمكانه الوصول إلى كل منابر المجتمع المدني عبر العالم لإيصال صوت الشعب الصحراوي المطالب بتنظيم استفتاء تقرير مصير لإنهاء معاناته الطويلة وتقسيمه بجدار الذل والعار المغربي و إيقاف نهب واستغلال ثرواته الوطنية .

 المهندس سيد امحمد  احمد

Rectangle ŕ coins arrondis:              - الثروات الطبيعية الصحراوية في خطر 
          - استكشاف المياه الجوفية خطوة رئيسية في اطار اعمار المناطق الصحراوية الصحراوية
            - دور الإعلام الآلي في التسيير
          - تعلم اللغات الأجنبية ضرورة عصرية لاغنى عنها
الصناعات التقليدية الصحراوية   -          
    - "هل حان  مخاض المجتمع المدني الصحراوي"
         -  التحدي لإنجاح القطاع الفلاحي والتنموي بمخيمات اللاجئين الصحراويين         
         - الأمية في المجتمع الصحراوي 
         -المعرفة العلمية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22/03/2008

 

 

 

                              

من نحن؟

البيان لتأسيسي

القانون الداخلي

المهام الإدارية

نشاطات الجمعية

استمارة العضوية

اتصل بنا

 

*مقالات أخرى*

 
 
الرئيسية